أخبار وطنية الدكتور أحمد المناعي يوجّه رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد
بقلم الدكتور أحمد المناعي: رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية وعضو البعثة العربية السابق إلى سورية
رئيس الجمهورية التونسية
تحية وسلاما لائقين بالمقام
منذ ثلاث سنوات وتحديدا في يوم 9 فيفري 2019 جمعت الصدفة بيننا في قاعة استقبال قناة تلفزية تحت الإنشاء وكنا ضيفي الصحفية السيدة ليلى عطية الله. كنت قد سجلت حديثي – والذي لم يبث الى الان – وفي انتظار أن يعيدني السائق الى بيتي وجئت أنت لتسجيل حديثك، جلسنا أكثر من ساعة مع بعضنا ولم نتحدث كثيرا حيث كنت متحفظا كثيرا في شيء من التعالي. لو تصورت يومها أنك ستصبح رئيس الجمهورية التونسية لحدثتك في موضوع هذه الرسالة لأنه شغلي الشاغل منذ أحد عشر عاما.
القضية تهم العلاقات الدبلوماسية التونسية- السورية المقطوعة:
منذ عشر سنوات وضرورة إعادتها لأني أعتقد أن الشعب يريد ذلك وإن كنت لم أستفته… ولقد راسلت في الموضوع السيد الرئيس المؤقت الأسبق والسيد وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة الأسبق وإن كانت هذه الرسالة موجهة ضمنيا لصهره الغنوشي الذي بلغ شوطا يومها في التمكن من البلاد حتى أنه أعلن مباشرة بعد انتخابات أكتوبر 2011 بأن تونس ستطرد سفيري سورية واليمن وتسلم السفارتين إلى معارضة البلدين، والغنوشي لم يكن وقتها سوى مالك حزب نجح في الانتخابات.
كما راسلت رئيس المجلس التأسيسي وأعضاءه، ثم راسلت بمعية الأستاذة هند يحي المناضلة السياسية، الرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي وأيضا وزير خارجيته وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثلاث مرات وذلك لسابق معرفتي به حيث أنئ زرته في إسطنبول على رأس وفد دولي بتاريخ 18ماي 1998 لمساندته عندما كان يجابه محاكمة عسكرية ولأنه ورط بلاده في الحرب العدوانية على سورية…
ومن الطبيعي أن أراسلك أنت اليوم وحضرتك تترأس الجمهورية التونسية وإن كنت أراك حاليا منشغلا عن القضايا الدولية بمشاكل السميد والفرينة والزيت المدعم التي هي على أهميتها ليست المشاغل الوحيدة لرئيس جمهورية. لكنه الواجب وليقيني أنك آخر رئيس تونسي أراسله.
البداية:
في منتصف شهر مارس من عام 2011 اندلعت احتجاجات وأعمال شغب وعنف في مدينة درعا جنوب سورية على الحدود الأردنية شبيهة بالتي عرفتها كثير من بلاد العربية بدءا من تونس وسرعان ما توسعت وشملت مدنا وقرى وأريافا وبلدات كثيرة في سورية وتزايد عنفها وكثرت ضحاياها فشملت الاغتيالات للعسكريين وأعوان الشرطة والمدنيين والجامعيين والطلبة وغيرهم وبلغت أوجها في مجزرة جسر الشغور الشهيرة التي أودت بحياة مائة وعشرين أمنيا في تفجير لثكنتهم في شهر جوان.
بعثة المراقبين العرب:
في مبادرة فريدة في تاريخ الجامعة العربية، صادق مجلس وزراء الخارجية العرب على مبادرة تخص سوريا لغاية مساعدة هذا البلد الشقيق على حل أزمته السياسية، وقد اقتضت هذه المبادرة إرسال بعثة من المراقبين العرب للاطلاع على حقيقة الأمور ورفع تقرير في هذا الشأن للجنة الخاصة بسوريا في الجامعة العربية، وقد تم ذلك وأنجز المراقبون العرب ما أنيط بعهدتهم وحرّروا تقريرا موضوعيا، مهنيا وأمينا كاملا ومتوازنا تقدم به رئيس البعثة إلى مجلس الجامعة بتاريخ 17 جانفي 2012.
وقد انتهى التقرير فيما انتهي إليه، إلى أنّ السلطات الأمنية والعسكرية السورية لم تكن تلجأ إلى إطلاق النار إلا للرد على المسلحين والدفاع عن النفس، ولعل هذا هو الذي أغاض بعض الدول المستعجلة في تدمير سوريا ودفعها إلى دفن التقرير والإسراع برفع القضية إلى مجلس الأمن أملا في أن يشرّع الأخير لما شرّع له سابقا في شأن ليبيا، غير أنّ هذا المسعى فشل فشلا ذريعا كما تعلمون لاستعمال الصين وروسيا حق النقض.
أنا أحمد المناعي كنت أحد أعضاء البعثة:
كنت أحد أعضاء البعثة المائة والستين والتقرير الذي تسترت عليه الجامعة العربية بعثه لي في بريدي الإلكتروني الصديق المرحوم د. قيس العزاوي ممثل العراق في الجامعة العربية وقتها، فقسمته إلى ثلاثة أجزاء بعثت بجزء إلى الصديق صفوان قريرة في باريس وأنت تعرفه جيدا فقد حضرت حفل زواجه وجزء للصديق الجزائري عمر– المازري في – « أكس » واحتفظت بالجزء الأخير لي وبعد يومين كانت الترجمة الفرنسية جاهزة وتولى موقع المعهد التونسي للعلاقات الدولية نشرها وعنه أخذت كل الترجمات لبقية اللغات.
يوم خمسة فيفري قطعت تونس علاقاتها مع سورية وأطردت البعثة السورية من تونس ودعت سفيرنا في دمشق للرجوع الى تونس وتركت جاليتنا في مهب الريح دون حماية قنصلية.
يوم 24 فيفري 2012، احتضنت تونس ندوة لما سمي بأصدقاء سوريا ولا أحد يعتقد أن بلدا واحدا ممن حضر ممثلوه هذه الندوة يستحق هذا النعت، فقد كان من هذه البلدان من سلّح الإرهابيين وفيهم من درّبهم وفيهم من موّلهم وفيهم من وفّر لهم الدعامة الإعلامية والدينية وفيهم أيضا من انتدبهم من الشرق والغرب، وكلهم اجتمعوا على تدمير سوريا وسعوا إلى تفكيك دولتها وعلى سبيل المثال اعترف رئيس الحكومة القطرية الأسبق ذات يوم بأن بلاده قد أنفقت مائة وخمسة وثلاثين مليار دولار في مخطط اسقاط سورية لكن …
عشر سنوات من حرب كونية على شعب أبي:
مائة وثلاث دول من أعظمها الى أنذلها وكلها متساوية في الإجرام إلى جانب التنظيمات الإرهابية الوهابية والإخوانجية الحقيرة اجتمعت في تونس لتنقض على سوريا لغاية اسقاط دولتها واستباحة أرضها وتشتيت شعبها والاستيلاء على خيراتها.
وكانت عشر سنوات من الحرب والتقتيل والتدمير والكذب والبهتان والتوظيف للدين والمقاطعة الاقتصادية والمالية والتجويع والنهب للبترول السوري والحرق للمحاصيل الزراعية وسرقة المصانع…
ولقد ساهم عدد هام من التونسيين بقسط كبير في هذه الجرائم فمنهم من حرّض الشباب على السفر إلى المحرقة السورية من أمثال شيوخ الإرهاب المجتمعين فيما يسمى بالعلماء كالغنوشي والخادمي والنّجار وغيرهم ومنهم من قاتل وقتل أو أسر…
والحالة الوحيدة التي لازلت أعجب لصنيعها هي حالة الغنوشي هو الآتي: فقد عرفت هذا الشخص في أكتوبر سنة ثمانٍ وستين في جامع باريس وكان قادما إليها من سورية وقد حكى لي أنه عرف ميلاده الثاني في دمشق حيث درس وسكن بالمجان وكذلك أنه حمل السلاح دفاعا على دمشق المهددة بالغزو الصهيوني في حرب سنة سبع وستين.
في عام تسعة وتسعين من القرن الماضي احتضنت سورية سبعة عشر عنصرا من أتباعه العسكريين والمدنيين الذين أطردهم السودان الذي هربوا إليه بعد فشل محاولتهم الانقلابية وبقوا في هذا البلد حتى عام ألفين واثنين حين وجدت لهم الأمم المتحدة بلدانا أوروبية استقروا فيها.
ولم يكتف الغنوشي بذلك ففي العام خمسة عشر وألفين، عندما تبين أن إرهابييه فشلوا وبدؤوا في الرجوع تحولوا عنده إلى اللحم المنتن بعد أن كانوا فاتحين للجنة لأنفسهم ولأقاربهم. لكن جنونه بلغ القمة عندما حيى الضربات الأمريكية على سورية سنة ثماني عشرة وألفين.
سيدي الرئيس
صراحة لا أطالبك بإعادة العلاقات مع سورية فإني أعرف أن الأمر صعب عليك لكن لا تنسى أن العالم يتغير من حولنا بسرعة ومن عوامل هذا التغيير الكثيرة هناك الانتصار السوري.
ففي العشر سنوات الأخيرة قاوم السوريون شعبا وجيشا وقيادة ورئيسا وكافحوا وناضلوا وصبروا وثبتوا هم وحلفاؤهم وحققوا أول انتصار في التاريخ على حملة استعمارية غربية لكن بالإمكان أن تعمل شيئا للجالية التونسية في سورية، تلك التي عانت كثيرا من إهمال واحتقار حكومتها لها إضافة للمعاناة التي تشترك فيها مع المواطنين السوريين. ففي حين يعيش أغلب اللاجئين السوريين في تونس من التسول وخارج كل إطار قانوني يحفظ لهم إنسانيتهم يعيش التونسيون في سورية في حماية القانون السوري وفيهم كثير من الموظفين في الدوائر الحكومية -دون جنسية سورية- يعاملون بمثل ما يعامل به المواطن السوري ولم أسمع يوما بأن السلطات السورية أو دوائر أخرى قد انتقمت منهم جراء ما اقترف الأرهابيون التونسيون من جرائم فظيعة في حق السوريين.
لعل أول ما وجب تقديمه للتونسيين في سورية تسهيل منحهم جوازات السفر التي ينتظر طالبوها أكثر من سنة للحصول عليها، وتمكين الطلبة السّوريين من منح وغير ذلك من التسهيلات المادية التي تسمح لهم بمواصلة دراستهم في تونس.
أني أكتب لك لأني أعتقد –بحكم العمر والظروف الصحية- أنك آخر رئيس جمهورية أكتب له في الموضوع دون أن أنتظر شيئا يذكر.
وتقبلوا سيدي الرئيس خالص التحية